السيد عباس علي الموسوي
27
شرح نهج البلاغة
( فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار ) فمهمة هذه الريح أن تضرب الماء الكثير بعضه ببعض تضربه بشدة وقوة وتحرك أمواج البحار وتنقله من مكان إلى آخر . ( فمخضته مخض السقاء وعصفت به عصفها بالفضاء ) حركته كما يحرك الوعاء الذي يستعمل في استخراج الزبدة من اللبن فيحرك بكثرة وعجلة وهذه الريح لشدتها وقوتها كأنها في الفضاء الذي ليس فيه مانع يمنعها فهي تتحرك بقوة وشدة ومن شدتها وقوتها أنها : ( ترد أوله إلى آخره ) فتنقل الأول إلى الآخر وتخلطه ببعضه . ( وساجيه إلى مائره ) فتضع ساكنه على متحركه وهادئه على مندفعة . ( حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه ) فمن شدة هذه الحركة ارتفع معظمه وغالبه وما تراكم منه وقع زبدا متراكما . ( فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق ) وهذا الزبد المتراكم من شدة الحركة قد رفعه اللّه بخارا محمولا على الهواء وفي الفضاء المتسع . ( فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا ) فمن ذلك الزبد المتراكم الذي ارتفع في الفضاء خلق اللّه منه سبع سماوات وجعل أسفلهن ماء محفوظا من السقوط والسيلان وللشرّاح وجوه كثيرة فبعضها : أن كون السماء السفلى موجا أما بعنوان الحقيقة حسبما اختاره قوم مستدلا بمشاهدة حركة الكواكب المتحيرة وكونها مرتعدة مضطربة في مرئى العين . وقال آخر هي للتشبيه شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها وارتفاعها أو أراد أنها كانت موجا ثم عقدها . وقال ثالث : استعار لفظ الموج للسماء لما بينهما من المشابهة في العلو والارتفاع وما يتوهم من اللون . . ( وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها ولا دسار ينظمها ) جعل السماء العليا سقفا لغيرها لأنها أعلى من الجميع وجعل هذا السقف الذي هو السماء العليا لا يهدم ولا يخرق ويحفظ ما تحته من التأثير وللشراح مناهج شتى في هذه العبارة . فمنهم من قال : أنها محفوظة من الشياطين وبعضهم رد على هذا بأنه لو كان المراد